المتقاضي وحقه في ضمانات المحاكمة العادلة
صحيح أن قانون المسطرة الجنائية يعتبر المكان الطبيعي والمألوف للحديث عن ضمانات المحاكمة العادلة. إذ هو المؤهل لتكريسها باعتباره يعنى بتحديد القواعد التي تهم إجراءات البحث والتحقيق ومحاكمة مرتكبي الجرائم، والطعن في الأحكام وتنفيذها.
![]() |
| حق المتقاضي في ضمانات المحاكمة العادلة |
غير أن ما يلاحظ على الدستور، كونه تعرض بشكل صريح الى هذا الحق ونص عليه في فقرته الرابعة من الفصل 23، وكذا في الفقرة الاولى من الفصل 120 بقوله كما يلي:
- "قرينة البراءة، والحق في محاكمة عادلة مضمونان".
- "لكل شخص الحق في محاكمة عادلة...".
الحق في المساواة وفي الدفاع
يحتل كل من الحق في المساواة والحق في الدفاع مكان الصدارة بين كافة حقوق الإنسان، باعتبارهما ضمانتين أساسيتين لكفالة التمتع بباقي الحقوق المعترف بها في أي مجتمع، بالاضافة إلى ذلك أن معظم المواتيق العالمية ودساتير الدول تحرص على تضمينها في نصوصها و توفير آليات لصونها وحمايتها.التعريف بحق المساواة أمام القضاء
ينص الاعلان العالمي لحقوق الانسان على المساواة أمام القانون في المادة 7 منه بقوله:"كل الناس سواسية أمام القانون. ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أية تفرقة. كما أن لهم الجميع أن الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان..."
" لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة. نظرا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته..."
أما الدستور، فقد أشار بدوره في أكثر من موضع إلى الحق في المساواة بصورة عامة. إذ تطرق إليه في التصدير. خلال حظره لكل أشكال التمييزبسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو ثقافتي أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي. أو اللغة أو الإعاقة، أو أي وضع شخصي مهما كان.
وقد تعرض في الفصل 6 إلى "مساواة جميع الأشخاص"، سواء كانو ذاتين واعتباريين ، بما فيهم السلطات العمومية أمام القانون، ونص كذلك في فصل 19 على ضرورة المساواة في التمتع بالحقوق والحريات اختلافها دون أدنى تمييز بين الجنسين. أي كل من الرجل والمرأة؟ وذلك تحقيقا لمبدأ المناصفة.
يمكن استنتاج حق المساواة أمام القضاء من مضمون الفصل 154 من الذي يقضي بأنه:
"يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها..."
وكذا من الفصل 27 الذي ينص على أن حق المتقاضي في الحصول على المعلومة من مرفق القضاء في الحدود التي يسمح بها القانون.
بحيث ورد في فقرته الأولى والأخيرة، على أنه" للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العموميين والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
وبالتالي، فلا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون. وذلك بهدف حماية كلما يتعلق بالدفاع الوطني وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الرقابة من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور. وحماية لمصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة.
وهذا الحق يرمي إلى وجوب خضوع الخصوم لنفس القواعد والإجراءات التي تحكم التقاضي بالنسبة لنوع واحد من القضايا دون أي تمييز بينهم، سواء من حيث الدين أو الجنسية أو المركز الاجتماعي وغيرها من الاعتبارات، ولضمان المساواة في توزيع العدالة وينبغي أن يكون القضاء موحدا، أي أن يحتكم هؤلاء جميعا في دولة معينة وبشأن النوع الواحد من المنازعات من المنازعات لجهة قضائية واحدة.
مفهوم حق الدفاع ومختلف صوره
يعد حق الدفاع من الحقوق الطبيعية المضمونة، والتي لا يجوز انتهاكها وضمانه معناه هو ضمان محاكمة عادلة للمتقاضين. وذلك من خلال تمكينهم من دراسة ومناقشة جميع الطلبات في الدفعات التي من شأنها أن يكون لها تأثير حاسم على المحاكمة.وقد أضحى هذا الحق، في غيره من حقوق المتقاضي الأخرى. مؤطرا دستوريا، حيث ورد التأكيد على ضمانه في الفقرة الثانية من الفصل 120 من الدستوركما يلي:
" حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم."
وحق الدفاع في معناه الضيق يفيد تمثيل المتقاضي من الدفاع متى كان النظام القضائي لبلده يسمح بأن يتولى محام مهمة مؤازرته وفي مدلوله الواسع، يفترض هذا الحق إعطاء الخصم فرصة الإدلاء بملاحظاته وتحويله من الوقت، و من التسهيلات ما يكفيه لإعداد وسائل دفاعه وتزويده مجانا بمحام في حالة احتياجه.
ومن بين صور حقوق الدفاع:
- الحق في الدفع.
- الحق في الإثبات.
- الحق في المرافعة.
- الحق في الاستعانة بمحام.
- الحق في الحضور.
- الحق في العلم بالإجراءات.
- الحق في ممارسة الطعن في الأحكام.
- الحق في علنية الجلسات.
- الحق في التمتع بضمانات مبدا المواجهة.. وغيرها.
صدور الأحكام في أجل معقولة والحق في ممارسة الطعون
القضاء العادل يقوم بمبدأ عدم التأخير في الفصل في القضايا وإصدار الأحكام وتنفيذها، كما أن الطعن في هذه الاخيرة يعتبر إحدى الآليات لتقييم العمل القضائي.صدور الأحكام في آجال معقولة
من بين المبادئ الأساسية التي ينبغي أن يرتكز عليه القضاء:
- مبدأ سرعة الفصل في النزاع.
- عدم جواز التأخير في النزاع.
إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك. قضايا وإصدار الأحكام، وتنفيذها في وقت مناسب لطبيعتها وأهميتها بالنسبة للمتقاضين، ومراعاة لحسن تدبير الزمن القضائي وترشيده، وصونا لحقوق هؤلاء من الضرر.
![]() | |
|
وإصدار الأحكام القضائية تكاد تكون عالمية، حيث تطال جل الأنظمة القضائية عبر العالم، وذلك نظرا لأن هذا الشأن القضائي تتداخل فيه عدة عوامل أحيانا تخرج عن إرادة القضاة ومساعديهم، وتتحكم في مسار الملفات.
على إثر ذلك الحقوق التي من المفترض أن تزود بما يلزم من حماية قضائية داخل أجل معقولة. فإن الدستور نبه إلى هاته المسألة، ونص في فقرته الأولى من الفصل 120 منه على أنه:
كما نص كذلك بمقتضى قانون التنظيم القضائي للمملكة بقوله:
"يمارس حق التقاضي بحسن نية، وبما لا يعرل حسن سير العدالة.
تطبق المساطر أمام المحاكم وتنفذ الإجراءات، بما يتضمن شروط المحاكمة العادلة، واحترام حقوق الدفاع في جميع مراحل التقاضي، بما يحقق البث في القضايا وصدور الأحكام داخل اجل معفول".
الطعن في الأحكام القضائية
يشكل الطعن في الأحكام آلية لتقييم العمل القضائي وتصحيح الإختلالات التي قد يشوبها من الناحية الواقعية والقانونية ، وهو ترجمة لمبدأ التقاضي المعتبر من الحقوق الإجرائية المكفولة للمتقاضين، والذين يملكون حق أرض النزاع على محكمة أخرى أعلى درجة من المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه. أو على نفس المحكمة التي أصدرته حسب الأحوال.تنص في هذا الصدد الفقرة الأولى من المادة 37 من قانون التنظيم القضائي على أنه:
" يحق الطعن في الأحكام والمقررات القضائية وفق الشروط المقررة قانونا."
وهكذا ونزولا عند ما تقتضيه العدالة الجيدة من اعتبارات كثيرة من بينها:
إقرار إلزامية مراجعة الأحكام التي تصدرها المحاكم. والتي تعد إحدى الضمانات التي ينبغي أن يتمتع بها المتقاضي، فإن المشرع المغربي كنظرائه من دول أخرى، فسح المجال للطعن في الأحكام والقراراتبوا سطة وسائل أو طرق هي مثلا في المجال المدني:
- التعرض.
- الاستئناف.
- تعرض الغير الخارج عن الخصومة.
- وإعادة الطعن ثم النقض.
الحق في جبر الأضرار المترتبة عن الأخطاء القضائية
من بين المبادئ الأساسية التي جاء بها المؤتمر السابع للأمم المتحدة، الذي انعقد في ميلانو سنة 1985. وجوب، وتمتيع القضاة بالحصانة الشخصية ضد أي دعوى مدنية بالتعويض النقدي عما يصدر عنهم أثناء ممارستهم لمهامهم القضائية من أفعال غير سليمة أو تقصير.وذلك دون إخلال بأي إجراء تأديبي، أي بأي حق في الحصول على تعويض من الدولة، وفقا للقانون الوطني، وهذا هو النهج الذي سار عليه أيضا دستور 29 يوليوز 2011، خلافا لما كان عليه الوضع سابقا في ظل نصوص الدساتير الأخرى.
فكما هو معلوم فقد تغير الوضع بشأن موضوع مسؤولية الدولة عن الأخطاء التي يرتكبها القضاة أثناء ممارستهم لمهامهم. وذلك سيرا على المبادئ السامية للعدالة من احترام لحقوق الإنسان ونص بشكل صريح في الفصل 122 منه على أنه:
" يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة".
ويكون بذلك المشرع قد تدخل مباشرة لحسم إشكالية كثيرا ما تتجاذبها أقلام رجال الفقه القانوني بين مؤيد ومعارض. وذلك إزاء وضع تشريعي استقر على القول بعدم مسؤولية الدولة عن أخطاء القضاة، كقاعدة عامة، واجتهاد قضائي تارة استبعد تكييف مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية. استنادا الى الفصل 79 من قانون الإلتزامات والعقود، وتارة أخرى بتحمل الدولة هذه المسؤولية، كما طرح بكيفية غير مباشرة مسألة إعادة النظر في المقتضيات المخالفة لما أقره في هذا الباب.
