حجية محاضر ضباط الشرطة القضائية
يعتبر قانون المسطرة الجنائية مجموعة من القواعد القانونية الشكلية التي تنظم المتابعة والتحقيق والمحاكمة وتنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الزجرية، وتكمن أهميتها في إقامة توازن حقيقي وفعال بين حق المجتمع في معاقبة المذنبين وحق الفرد في ضمان حريته التي لا يمكن النيل منها إلا من خلال محاكمة عادلة.
![]() |
| حجية محاضر ضباط الشرطة القضائية |
وتنطلق بلورة معالم المحاكمة العادلة من أولى مراحل البحث والتحقيق التي أحاطها المشرع بمجموعة من الضمانات الإجرائية بغية تحقيق المحاكمة العادلة. ومن بين أهم هذه المراحل هي مرحلة البحث التمهيدي الذي يعتبر الاختصاص المركزي الموكول لجهاز الشرطة القضائية.
ويتدخل جهاز الشرطة القضائية بعد اقتراف الجريمة أو أثناء ظهور واقعة مشبوهة فوظيفتها زجرية ومترتبة عن الطبيعة اللاحقة لتدخلها والتي تتلخص في البحث عن المجرمين وتسليمهم للقضاء وجمع الأدلة الضرورية لمحاكمتهم على عكس الشرطة الإدارية التي تعتبر وظيفتها وقائية بالدرجة الأولى.
فالمحاضر المنجزة من قبل الشرطة القضائية تشكل الأداة الممهدة التي يمكن اعتمادها من طرف النيابة العامة التي تتخذ بشأنها قرار الحفظ أو المتابعة متى تظافرت الشروط والشكليات المتطلبة في المحضر والتي أوجب المشرع توفرها فيه تحت طائلة ترتيب أثر قانوني يصل الى البطلان.
وسيتم التعرف من خلال هذا الموضوع ببيان مفهوم المحضر والخصائص التي يتميز بها وتمييزه عن غيره وعرض لأهم شروطه من جهة ولحجية القانونية من جهة ثانية.
تعريف المحضر وخصائصه تمييزه عن غيره وشروط صحته
تعريف المحضر
والفقه قام بتعريف المحضر بانه وثيقة مكتوبة من طرف أحد ضباط الشرطة القضائية أو عون مؤهل بمقتضى القانون لمعاينة تنفيذ عمل من أعمال البحث الذي يدخل ضمن اختصاصاته تحت مراقبة السلطة القضائية.
أما المشرع المغربي فقد نص في الفقرة الأولى من المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية على تعريف محضر الشرطة القضائية حيث اعتبره بأنه تلك "الوثيقة المعنوية التي يحررها ضابط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه أو ما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع اختصاصه.
وهذا التعريف لا يختلف كثيرا عن ذلك التعريف الذي أورده المشرع المغربي في الفصل 70 من قانون الدرك الملكي، حيث اعتبر أن المحضر هو تلك الوثيقة التي يضمن فيها جنود الدرك ما عاينوه من مخالفات أو ما قاموا به من عمليات أو ما تلقوه من معلومات.
وبالتالي فيمكن القول بأن "المحضر" هو وثيقة رسمية مكتوبة يحررها ضابط الشرطة القضائية وجنود الدرك أو الأعوان والموظفون المكلفون ببعض المهام بشأن الشكايات والمعلومات في شأن التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها.
⚠ إذا كان قانون المسطرة الجنائية قد أعطى تعريفا قانونيا للمحضر في المادة 24 منه، فإنه لم يحدد شكله، لذلك نلاحظ اختلافا في صياغة شكل المحضر من ضابطة الى أخرى.
هذا الاختلاف الشكلي تبرره ظروف وطبيعة عمل كل شرطة قضائية، والذي لا يساعد على توحيد شكل المحضر هو أن قانون المسطرة الجنائية بنفسه لم يقرر شكلا محددا أو نموذجا معينا للمحضر، خلافا لبعض القوانين الخاصة التي أو جبت أن تصاغ المحاضر وفق شكليات معينة.
والجدير بالذكر أن المحاضر تعد اختتاما لعملية البحث التمهيدي _بنوعيه_من قبل الشرطة القضائية امتثالا بذلك للمقتضيات الواردة بالمادة 24 من قانون المسطرة الجنائية.
لقد حددت المادة 24 الجهات التي يجب أن توجه اليها المحاضر فيما يلي:
- الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالنسبة للقضايا ذات الطبيعة الجنائية.
- أو وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة بالنسبة لمحاضر الجنح والمخالفات.
وبمجرد تلقي الجهات المذكورة أعلاه للمحاضر يكون لها الحق في رفع الإجراءات الى هيئات التحقيق أو الحكم المختصة للنظر فيها، إن رأت فيما تضمنته محاضر البحث التمهيدي أدلة كافية تسح لها بإثارة الدعوى العمومية ضد المشبوه فيه.
نماذج محاضر ضباط الشرطة القضائية في مرحلة البحث التمهيدي⬇
وإلا عمدت الى ترك المتابعة بموجب قرار الحفظ القابل للإلغاء ‘إن هي تبين لها من المحضر أن ما نسب للمشبوه فيه من وقائع إجرامية لا دليل عليها أو أن هذا الدليل ناقص وغير كاف أو أنها ليست جرائم أصلا لسقوط المشروعية عنها لتوافر إباحة واضحة أو تقادم كامل الشروط أو للنص الجنائي المجرم لها.
خصائص ومميزات محضر الشرطة القضائية
- ورقة رسمية أي أنه يحرر بمعرفة شخص له صفة رسمية، أي أن يكون موظفا تابعا للدولة أو أي شخص مكلف بخدمة عامة.. ويترتب عن هذه الصفة نتيجة غاية في الأهمية تتمثل في عدم إمكانية الطعن في مصداقية هذه الوثيقة(المحضر) إلا وفقا للطرق التي حددها القانون.
- يحرر من طرف موظف عام، وبالتالي فليس كل شخص مؤهل لتحرير المحاضر وإحالتها على القضاء وإنما يتعين أن يتوفر هذا الأخير على الصفة الضبطية، أي أن يكون محررها ضابطا للشرطة القضائية وفقا للمادة 23 من قانون المسطرة الجنائية، وأن يستوفي المحضر للشكليات والشروط التي يقررها القانون في تحرير المحاضر.
وتجدر الإشارة الى أن المحضر ينجز سواء ارتكبت الجريمة أم لا، فمثلا إذا عاين ضابط للشرطة القضائية جثة ما، وتبين له أن الأمر يتعلق بوفاة طبيعية، فإنه بالرغم من ذلك ينجز محضرا يضمنه كل العمليات التي قام بها، كذلك الحالات التي يقوم فيها بأبحاث عن متغيب، أو إذا كلف بالتحقيق عن هوية متهم.. الى غيرها.
تمييز المحضر عما يشابهه
المَحضر كما سلف ذكره هو وسيلة قانونية لإثبات العمليات التي قام بها ضابط الشرطة القضائية عند إجرائه للبحث التمهيدي من معاينات واستماع الى الأشخاص، ووضع تحت الحراسة وتفتيش المنازل.. الى آخره، وهو يعد بذلك عنصرا أساسيا تعتمد عليه النيابة العامة لتقدير ملائمة المتابعة.
أما التقرير فهو لا يعدو أن يكون وسيلة إخبار توجه الى رؤساء الضباط الإداريين _ضباط الأمن عادة_ في شأن نازلة معينة، لذلك فإنه يمكن أن يتم بصورة شفوية، خلافا للمحضر الذي يكون دائما مكتوبا.
شروط صحة المحضر
1-الشروط الشكلية للمحضر
يتضح من خلال مقتضيات المادة 23 من قانون المسطرة الجنائية أن المحضر ينبغي أن يكون مكتوبا وأن يتم الإشارة فيه الى صفة من قام بتحريره، وتوفر هذا الأخير على الاختصاص الذي يخول له صفة القيام بتحرير.
وعلى كل حال فإن محضر الشرطة القضائية ولو أتى مستوفيا للشروط السابقة فينبغي أن يكون مظهره الخارجي سليما كذلك ولا يبعث الى الارتياب بسبب التشطيب على جمل منه أو حشو بين السطور التي يتألف منها، أو كشط لما كان مكتوبا فيه.
لأنه من المفروض في محرر المحضر أنه عالم ومدرك لخطورة ما ينجزه، لذلك فإن هو وقع له خطأ أو سهو أو ما شابه ذلك من هفوات الكتابة أو التعبير فعلية تداركه وتصحيحه والمصادقة على ذلك رفعا لأي اشتباه أو لبس أو محاباة.
2- الشروط الموضوعية للمحضر
علاوة على الشروط الشكلية السابق ذكرها، فإنه كذلك يتعين أن يستوفي المحضر المنجز من طرف ضابط الشرطة القضائية شروط أخرى موضوعية لكي يعتد به قانونا، ومن أهم هذه الشروط ما يلي:
يتعين بموجب هذا الشرط على ضابط الشرطة القضائية أن يضمن المحضر بما عاينه أو ما شاهده أو تلقاه شخصيا من تصريحات بكل موضوعية وأمانة، ودون تحريف أو زيادة أو نقصان.
أما ما وصل الى علمه فهو لا يعدو أن يكون مجرد خبر ويجب على ضابط الشرطة القضائية ألا يتجاوز الوصف الموضوعي والدقيق لوقائع الجريمة عند تحريره للمحضر الى تأويل الوقائع والمعطيات الواردة في المحضر أو إعطائها تكييفا قانونيا بصورة شخصية.
فهذا لا يدخل ضمن صلاحياته التي تقتصر على جمع المعلومات والمعطيات المتعلقة بالجريمة المرتكبة بموضوع البحث ووضعها رهن إشارة المحكمة، فعمل الشرطة القضائية إذن عبارة عن تحريات وليس تحقيقات قضائية.
بحيث يتعين على ضابط الشرطة القضائية في هذه الحالة أن يحرر محضرا على وجه السرعة تون تلكؤ ودون تباطؤ، وهذه السرعة هي لازمة من أجل الحفاظ على مصداقية المعلومات التي أثبتها بالمحضر.
③ مراعاة الاختصاص المكاني والنوعي لمحرر المحضر
لكي يكون محرر المحضر مختصا نوعيا ومكانيا بإنجازه، فإنه يتعين أن يتصف بصفة ضابط الشرطة القضائية، أي الضابط المعين لذلك بمقتضى القانون والذي قد يكون موظفا بإدارة غير إدارة الأمن الوطني أو الدرك الملكي. كما لو إذا تعلق الأمر مثلا بخرق مدونة الجمارك أو قانون المياه والغابات.
والاختصاص المكاني لضابط الشرطة القضائية يتحدد عادة حسب الوضعية الترابية التي تدخل في دائرة اختصاصه، أي الحدود الترابية التي يمارس ضمنها وظيفته، إلا في حالة ما إذا سمح له القانون بتجاوز نطاقه الجغرافي.
وفي هذا الصدد يتضح من خلال المادة 22 من قانون المسطرة الجنائية إمكانية ضباط الشرطة القضائية مباشرة مهمتهم في حالة الاستعجال بجميع أنحاء المملكة إذا طلبت السلطة العمومية منهم ذلك.
الحجية القانونية لمحاضر الشرطة القضائية
محضر الشرطة القضائية من حيث نوع الجريمة
إن المحاضر المنجزة من طرف ضباط الشرطة القضائية تكتسي أهمية بالغة في ميدان الاثبات الجنائي، خصوصا في الجنح والمخالفات، بحيث يوثق بمضمونها الى أن يثبت العكس.
وقد نص المشرع المغربي بمقتضى الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية على أن "المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمونها الى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الاثبات".
ومن خلال هذا الفصل يتضح لنا أن جميع محاضر البحث التمهيدي في الجنح والمخالفات يوثق بمضمونها مبدئيا، بحيث تصور الجرائم التي وقعت كما هي دون زيادة ولا نقصان وبكل صدق وتجرد ومسؤولية، وتنقلها الى القضاء بصفته هو المؤهل الوحيد في تكييفها وتحقيقها والحكم بها.
ولكن بالرغم من ذلك فإنه يمكن للمتهم ولأي متضرر إثبات ما يخالف تلك المحاضر باستعمال جميع وسائل الإثبات الممكنة والمتاحة والمتوفرة لإبطال مضمونها ولإبطال كل ضرر منه.
- دراسة المحضر وقراءته قراءة جيدة، بحيث أن محضر الضابطة القضائية مثله مثل الحكم القضائي، لا يجب أن يتضمن تناقضات أو يحوي مفارقات، بل يجب أن يكون دقيقا ومتناسقا ومضبوطا.
- الوثائق الرسمية، ويقصد بالوثائق الرسمية هي تلك التي يمكن للمتهم المفترض أن يحتج بها ضد ما هو مدون بمحضر الضابطة القضائية بمختلف الأدلة الكتابية التي توجد بحوزته والتي تمكنه من الدفع بما جاء به مضمون المحضر.
- شهادة الشهود، حيث يمكن إثبات عكس المحضر والتقرير في الجنح بشهادة الشهود طبقا للمادة 296 من قانون المسطرة الجنائية.
ومن ثم فإن المحاضر المنجزة في ميدان الجنايات تأخذ على سبيل الاستئناس، وتعد مجرد معلومات حسب المادة 291 من قانون المسطرة الجنائية، بحيث أن غرفة الجنايات تستأنس بهذه المحاضر وبالوقائع المضمنة فيها عند استنطاق المتهم في الجلسة.
لكن لا تستطيع أن تكتفي بهذه المحاضر لوحدها لأنها تعتبر وسيلة إثبات كافية في ميدان الجنايات حسب كل من الفصلين 261 و293 من قانون المسطرة الجنائية.
ومن ثم فإن المحاضر والتقارير في الجنايات لا تعتبر إلا مجرد بيانات القضاة الموضوع، يمكن لهم اعتمادها حسب اعتقادهم الصميم، غير أنها تخضع لسلطتهم القديرية.
محضر الشرطة القضائية من حيث موضوع البحث
يقصد بموضوع محاضر الضابطة القضائية الصلاحيات المخولة لها قانونا، فهذه الصلاحيات منها ما يباشر في الأحوال العادية ومنها ما يباشر في حالة التلبس، ومنها ما يباشر في حالة الانابة القضائية.
فبالرغم من ذلك نجد أن المادة 18 من قانون المسطرة المدنية حددت هذه الصلاحيات بصفة عامة في التثبت من وقوع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها وتنفيذ أوامر النيابة العامة وأوامر وإنابات قضاة التحقيق.
والمحاضر المنجزة هي مجموع التحريات في إطار مسطرة البحث التمهيدي للجرائم، وجمع البحث التمهيدي التي تقوم بها الضابطة القضائية في غير حالات التلبس، وهو شكل من أشكال الأبحاث الشرطية أو البوليسية يهدف الى التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها يقوم به ضابط الشرطة القضائية في إطار سلطات جد محدودة.
وضباط الشرطة القضائية يسلكون مسطرة البحث التمهيدي إما تلقائيا أو بتعليمات من طرف النيابة العامة المختصة طبقا للأحكام والمقتضيات الوارد بالمادة 78 من قانون المسطرة الجنائية.
بحيث نجدهم يقومون بالانتقال الى عين المكان من أجل معاينة مكان الجريمة قصد الحصول على الأدلة والاستماع الى الأشخاص كالضحايا والمشبوه فيه والشهود.
وبكل ما يفيد في إثبات الوقائع أو القيام بعمليات التفتيش والحجز، أو اللجوء الى كل وسائل البحث الممكنة والاستعانة بالمرشدين والفنيين وذوي الاختصاص والخبرة، ووضع الأشخاص تحت الحراسة النظرية كلما اقتضت ضرورة البحث ذلك.
